تعريف مختصر بمرض الاكتئاب

askfarouk Uncategorized

 

(1) مقدمة


لا زال البعض يعتقد أن الاكتئاب مجرد حالة ذهنية يمكن للفرد الخروج منها إذا كان لديه الرغبة الكافية لذلك، ولعل هذه القناعة بسبب كونه مرض غير ملموس فهو ليس كاضطراب القلب أو ارتفاع الضغط أو السكري حيث يمكن ببساطة إثبات المرض بمؤشرات حيوية قابلة للقياس وصادقة وموثقة. وفي الواقع فان تلك القناعة الراسخة عند البعض غير صحيحة فالاكتئاب وان لم يكن مرضا عضويا ذو انعكاسات قياسية إلا انه مرض عضال وحقيقي، ونحتاج لتغير هذه القناعات متى أردنا السيطرة على الاكتئاب واستعادة بريق الحياة.


يشعر مريض الاكتئاب أحيانا بالإحراج للتصريح بمرضه نظرا للطريقة التي يتلقى بها العالم المحيط هذا التصريح حيث سرعان ما يقع بين النصح والإرشاد أو التقريع والتوبيخ. في تجربة اجتماعية سألنا عدد ممن أقدموا على الانتحار بالفعل عن مدى جدوى النصائح على تغير قرار الانتحار وجاءت الإجابة لتؤكد أن النصائح المغلفة بالعتاب أو النصائح الدينية التي تتوعد بالعقاب في الحياة الأخرى لم تكن مؤثرة بل ربما كانت أحد أسباب الإسراع في الانتحار.


لا يجدر بمريض الاكتئاب الشعور بالخجل من مشاعره بل عليه مراجعة الطبيب والإفصاح عن مشاعره والأعراض التي يمر بها، فأني للطبيب العلاج دونما معرفة ذلك. كما يجب أن يعلم مريض الاكتئاب أن التأخر في العلاج قد يهدد حياته، فالاكتئاب قد يدفعك للتفكير في الانتحار.


يسبب الاكتئاب اضطرابا في مشاعر الفرد والذي نشير له عادة بالمزاج السيء، ومن الطبيعي والمعتاد أن يمر كل فرد ببعض المزاج السيء من حين لأخر، لكن في المقابل فان مريض الاكتئاب يعاني من المزاج السيء لفترة طويلة تصل لأكثر من أسبوعين، يعاني مرضي الاكتئاب من المزاج السيء لدرجة تمنعهم من ممارسة الحياة الطبيعية. قد تمثل حادثة مفجعة كفقد عزيز أو أزمة مالية عاملا مباشرا في ظهور الاكتئاب، وأحيانا قد يكون الشخص مكتئب دون سبب مباشر.


يؤدى الشعور بالاكتئاب في العادة إلى المزاج السيء والشعور بالحزن، إلا انه قد تظهر أعراض مختلفة عند بعض مرضي الاكتئاب مثل اللامبالاة، الجمود العاطفي، فقدان القدرة على الاستمتاع، أو سرعة الغضب. يؤثر الاكتئاب أحيانا على بعض الوظائف الحيوية فيسبب اضطرابات النوم، فقدان الشهية أو زيادة الأكل، الخمول، الأرق، الشعور بالإنهاك الجسدي، فقدان التركيز وضعف الذاكرة.

(2) نظرة تاريخية


قد تندهش إذا عرفت أن بردية ابيرس (وهي أقدم مخطوطة طبية معروفة وترجع إلى قدماء المصريين) تحدثت عن مرض الاكتئاب. ذكرت البردية وصفا واضحا لحالة القنوط واليأس المرضي وهو ما يعد مرادفا لما نسميه حاليا بالاكتئاب. كتب أبقراط في القرن الرابع وصفا لمرض اسمه الغم وصفه بانه حالة شعورية تؤثر على كامل الجسد، كذلك لا تخلو كتابات الفلاسفة والأدباء عن أنماط لأشخاص يمكن وصفهم بأنهم مرضي بالاكتئاب.

(3) كيف يبدا الأمر


لا توجد مقدمات محددة للاكتئاب مثلما الحال في المثير من الأمراض النفسية فهناك عوامل قد تساعد في ظهور المرض أو الإصابة. من المهم أن نوضح أن قرابة 5% من المجتمع الأمريكي يعاني من مرض الاكتئاب، وانه يوجد بين الصغار والكبار، والرجال والنساء، وجميع الأعراق والديانات. لأسباب غير محددة فان معدل إصابة النساء بالاكتئاب ضعف معدلها عند الرجال. يتميز الاكتئاب بانه مرض قابل لإعادة الظهور عند الشخص، حتى أن بعض الإحصاءات تشير إلى أن احتمال عودة الاكتئاب للشخص المتعافي تصل إلى 50%.


لا يوجد سن مرتبط بالاكتئاب إلا انه أكثر ظهورا بعد سن الأربعين، ورغم أن الاكتئاب عادة ما يبدا في الظهور في مرحلة المراهقة والبلوغ لكنه يشتد مع التقدم في السن خاصة مع زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض الجسدية أو فقدان الأحبة. يرتبط الاكتئاب بشكل مفزع بالرغبة في الانتحار حيث يقدم 15% ممن يعانون اكتئاب مستمر لشهر كامل على الانتحار. ويبقي طلب الدعم والعلاج سبيلا للخروج من حالة الاكتئاب ومن ثم التوقف عن التفكير في الاكتئاب.

<

(4) التفسير الجسدي للشعور بالاكتئاب


نعرف جميعا أن العقل يتحكم وينظم كل شيء في الجسد، فهو ينظم الأفعال الواعية كالمشي أو الكتابة أو الأكل، وينظم كذلك الأفعال اللاإرادية كضربات القلب والتنفس، وكذلك يضبط العقل المشاعر والذكريات والإدراك والثقة بالنفس. يمكن تبسيط عمل العقل بانه يتلقى معلومات من البيئة المحيطة ثم يصدر عدد من التعليمات ليتم تنفيذها عبر أجهزة الجسم المختلفة. تنتقل المعلومات عبر الأعصاب في صورة إشارات كهربائية وعندما يتم تمريرها من عصب لأخر فأنها تفقد جزء من طاقتها قد يكون فقدان الطاقة هذا عاملا في الشعور بالاكتئاب.

(5) عوامل الشعور بالاكتئاب

 

  • عوامل جسدية: رغم أنه من غير المعلوم سبب ظهور الاكتئاب كمرض إلا أن هناك عدد من التفسيرات الفسيولوجية لتغيرات في المخ قد تسبب الشعور بالحزن، فمثلا هناك محاولات لربط العصب المسئول عن الاستغراق في النوم بالشعور بالاكتئاب، أو قشرة الدماغ حيث يرتبط أي خلل فيها بفقدان القدرة على التركيز والشعور بالخمول والتي ترتبط بالاكتئاب. والسؤال هل هذه التغيرات نتيجة للاكتئاب إما سببا في حدوثه؟
  • عوامل وراثية: تزداد احتمالية ظهور المرض عند الأفراد من الأسر التي لها تاريخ مع المرض. تتحدث الدراسات عن وجود جين مسئول عن الاكتئاب لكنها مجرد إرهاصات غير مثبتة.
  • عوامل البيئة الاجتماعية: لا شك أن ضغوط الحياة وصدمات كالطلاق أو المرض أو الفشل المتكرر قد تؤدي للاكتئاب. الطريف أن هناك دراسات تري كل هذه الأحداث باعتباره سبب لظهور المرض بشرط وجود المرض أصلا، بمعنى أن هذه الدراسات لا تعتبر أي من ضغوط الحياة عاملا للإصابة بالاكتئاب.
  • الصدمات الجسدية: تشير بعض الدراسات أن الإصابة في الراس قد تسبب مرض الاكتئاب وتحديدا الإصابة في الفص الايسر للدماغ، اثبت أن الإصابة أسفل القشرة الدماغية قد تؤدي لمرض الاكتئاب أو فقدان القدرة على التفكير والادراك. قد تؤدي الأمراض المرتبطة بالتأثير على الأوعية الدموية كأمراض ضغط الدم أو السكري إلى نفس التأثير

 

 

(6) احتمالات التعافي

  • يمكن القول إن الاكتئاب مرض قابل للعلاج، أن مدة العلاج قد تمتد إلى ستة أشهر لكنها تنتهي عادة بالتحسن والتعافي من المرض.
  • يبدا شعور المريض بالتحسن خلال أسابيع من بداية العلاج
  • تزداد فرصة إعادة الإصابة بين الأشخاص المتعافين
  • يمثل العلاج بالعقاقير مدخلا هاما في مرض الاكتئاب وعادة ما يكون ذو مفعول سريع وممتد.

 

 

(7) التفكير في الانتحار



يعد الانتحار أسوء النتائج التي قد تنتج من مرض الاكتئاب، وكما أشرنا سابقا فان 15% من مرض الاكتئاب يقدمون على الانتحار، لذلك من المهم السعي لطلب العلاج والتعامل مع الأمر بجدية وبشجاعة. ويجب على أولياء الأمور والمعلمين التعامل مع أي كلام عن الموت أو الانتحار بجدية، يفكر مرضي الاكتئاب في الانتحار باعتباره عقابا مناسب لهم أو باعتبار أن العالم سيكون أفضل بدونهم أو باعتباره نهاية لألم الاكتئاب.

(8) مشاكل أخري مرتبطة بالاكتئاب



قد يؤدي الاكتئاب بالشخص لترك العمل أو الفشل في الدراسة أو تدمير علاقة حب أو الأفراط في تناول المهدئات والأدوية دون استشارة طبيب. كذلك يؤدي الاكتئاب لضعف المناعة (طبقا لبعض الدراسات) مما يعني أن الشخص عرضة أكثر من غيره للأمراض.