01 — رفرفة الأجنحة في هرمز وأعاصير الجوع في القرن الإفريقي
أثبتت المائة يوم الأولى من حرب إيران أن تداعيات المعارك لا تتوقف عند حدود تبادل الصواريخ في الخليج أو ارتفاع أسعار الوقود لتعبئة السيارات في الدول الغربية؛ بل تتجاوز ذلك لتحدث أثراً تدميرياً غير مرئي يضرب الفئات الأكثر ضعفاً حول العالم. يعيدنا هذا الواقع مباشرة إلى نظرية "أثر الفراشة" الشهيرة: فراشة ترفرف بأجنحتها في مكان ما، فتتسبب في حدوث تسونامي مدمر في مكان آخر من الكوكب.
في هذه الحرب، تنطلق رفرفة الأجنحة من مضيق هرمز؛ الشريان الملاحي الحيوي الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط في العالم، وحوالي ثلث الإنتاج العالمي من المكونات الأساسية لصناعة الأسمدة الزراعية. ونتيجة لتوقف حركة الشحن في هذا الممر الضيق، شهد الكوكب تداعيات لامتناهية: شح وقود الطهي في الهند وأمريكا الجنوبية، وتقليص ساعات العمل في مكاتب الفلبين لتوفير تكلفة تبريد الهواء، وقفزة فلكية في أسعار غاز الهيليوم اللازم لمصانع الرقائق الإلكترونية في تايوان.
لكن الأثر الأكثر فداحة يتبلور في قضايا الحياة والموت؛ إذ يهدد هذا الانقطاع حوالي 60 دولة تعاني بطبيعتها من سوء التغذية الحاد، وتعتمد بشكل شبه كلي على الواردات الغذائية والمساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
02 — تفكيك المساعدات الإنسانية: شبكة الأمان التي تلاشت
ما يجعل هذه الأزمة مختلفة وفادحة عما سبقها هو تزامنها مع قرار الدول الغنية بتفكيك أجزاء واسعة من منظومة الإغاثة الإنسانية الدولية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية. قادت الولايات المتحدة هذا التراجع عبر تخفيضات هائلة في ميزانية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في مستهل ولاية ترامب الثانية، وسارت على الدرب ذاته دول أوروبية مانحة كبرى مثل المملكة المتحدة وألمانيا بعد ضغوط أمريكية لدفعها إلى زيادة الإنفاق على دفاعها الخاص وتمويل حلف الناتو بدلاً من توجيه الأموال للخارج.
عندما اندلعت حرب أوكرانيا قبل سنوات وتأثرت أسواق الحبوب والأسمدة، كان النظام الإنساني يعمل بكفاءة؛ حيث حُشدت مساعدات بقيمة 43 مليار دولار (منها 17 ملياراً من واشنطن وحده)، مما حال دون وقوع مجاعة شاملة في السودان وإثيوبيا وأفغانستان والصومال. أما اليوم، وفي ظل حرب إيران، هبطت ميزانية المساعدات الدولية إلى 28 مليار دولار فقط، والمنحنى يواصل الهبوط بشكل حاد.
ورغم أن إهمال المساعدات الإنسانية يجري تبريره محلياً بشعارات سياسية شعبوية مثل "حل مشاكلنا في الداخل بدلاً من إنقاذ الجوعى في أماكن بعيدة"، إلا أن هذا التفكير يتجاهل تماماً دور المساعدات كأداة للأمن القومي والسياسة الخارجية. فترك عشرات الملايين بدون طعام يؤدي تلقائياً إلى عواقب وخيمة؛ لعل أبرزها أزمة هجرة عالمية غير مسبوقة تدفع بالملايين نحو ممر دارين في بنما أو شواطئ اليونان وتركيا هرباً من الموت. كما أن غياب الدولة يمهد الطريق لسيطرة الجماعات المتطرفة مثل حركة "الشباب" المرتبطة بالقاعدة في القرن الإفريقي، والتي تجد في المجاعة والجوع بيئة خصبة لتجنيد الشباب اليائسين.
الأمن القومي القائم على عزل الدول الغنية في مجتمعات مغلقة (Gated Communities) هو سياسة واهمة ولن تصمد طويلاً أمام تدفق ملايين الجوعى الباحثين عن الحياة.
— بيتر غودمان، مراسل التايمز لسلل التوريد العالمية
03 — أثر الفراشة الخانق: كيف انتقلت الأزمة من هرمز إلى أطفال الصومال؟
لمشاهدة معالم الأزمة المتشابكة عن قرب، تبرز الصومال كأوضح مثال على مرحلة ما يُعرف بـ "عصر ما بعد المساعدات الإنسانية". تلخص النقاط التالية تسلسل التداعيات الجيوسياسية وصولاً إلى عمق المعاناة الصومالية:
حقائق وأرقام من كواليس أزمة الإغاثة
- أزمة معسكر دولّو: يقع هذا المعسكر على الحدود الإثيوبية، حيث تقطنه عائلات قطعت مسافات شاسعة مشياً على الأقدام (مثل عائلة سارت لتسعة أيام حاملة طفلة بعمر ثلاث سنوات بعد نفوق 50 رأساً من مواشيهم)، لتصل وتفاجأ بأن منظمات الإغاثة الدولية كالبرنامج العالمي للأغذية قد انسحبت بالكامل.
- مستشفى العاصمة مقديشو: تضاعفت حالات سوء التغذية الحاد في المستشفى المدار من اليونيسف؛ حيث يضطر الأهالي للاقتراض ودفع مبالغ طائلة (مثل أم اقترضت 24 دولاراً لنقل طفلها بينما متوسط الأجر اليومي لا يتعدى دولاراً واحداً) لإنقاذ حياة أطفالهم.
- مخازن خاوية: تكشف جوزيفين مولي، مديرة مستودع الغذاء العالمي بالصومال، أن 12 خيمة من أصل 13 خيمة مخصصة لتخزين المواد الغذائية باتت خالية تماماً، ولم يتبق سوى خيمة واحدة تحتوي على كراتين معجون الفول السوداني المغذي الممول من USAID، وهو ما سينفد بنهاية شهر يونيو الجاري.
04 — تراتبية المعاناة: المفاضلة الصعبة بين الموت الفوري والمؤجل
أدى شح المواد والتمويل إلى وضع عمال الإغاثة الإنسانية في موقف أخلاقي وإنساني معقد ووصفه أحدهم بـ "تراتبية المعاناة"؛ حيث يضطر مسؤولو الإغاثة يومياً لاتخاذ قرارات مريرة للمفاضلة بين الجياع: "نقرر اليوم من سيحصل على الطعام ليعيش، ومن سنتركه ليموت بعد أسبوعين".
ولا تقتصر المشكلة على الصومال؛ ففي السودان الذي يشهد واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية حيث أعلنت بعض المناطق المجاعة رسمياً، يتأخر وصول الشحنات الإغاثية لأسابيع عبر ميناء بورتسودان. وحتى عندما تصل الشحنات، تعجز الشاحنات عن التحرك نحو الداخل بسبب النقص الفادح في وقود الديزل وخوف السائقين من البقاء عالقين في Hinterland بلا وقود للعودة.
وفي ساحل العاج، أحد أسرع الاقتصادات نمواً في غرب إفريقيا، يواجه مزارعو الكاكاو ارتفاعاً حاداً في أسعار الأسمدة، مما يقلل من إنتاجهم ويدمر سبل عيشهم.
05 — ندوب لا تمحى: التبعات الأمنية والسياسية للحرب
تتزامن هذه الكارثة الإنسانية مع تصعيد عسكري خطير وعلني بين الولايات المتحدة وإيران في مياه الخليج؛ فبعد سقوط مروحية أمريكية هجومية، شنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) ضربات على رادارات ومواقع دفاع جوي إيرانية، بينما ردت طهران بهجمات عبر الطائرات المسيرة استهدفت الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين والقواعد الأمريكية في المنطقة.
حتى وإن انتهت الحرب غداً وتوقفت العمليات العسكرية وأعيد فتح مضيق هرمز لتنخفض أسعار الديزل؛ فإن التداعيات طويلة المدى لهذه الحرب لن تمحى بسهولة. فإغلاق البرامج التنموية والتعليمية، مثل ورش تدريب الخياطة للنساء في معسكر دولّو التي أغلقت أبوابها لغياب التمويل والمواد، يقطع سبل الارتقاء الاجتماعي وتنمية المهارات للأجيال القادمة.
في نهاية المطاف، هناك فرق شاسع بين الكوارث الطبيعية والأزمات السياسية. تسونامي المحيط الهندي عام 2004 الذي حصد أرواح الآلاف وشهدته بنفسي كان عملاً طبيعياً وقضاءً وقدراً، بينما ما نراه اليوم في الصومال والسودان من مجاعة وتفكيك لمنظومة الإغاثة هو نتاج قرارات سياسية واضحة اتخذها قادة وبشر في مكاتب مغلقة حول العالم، ما زالت تدفع ثمنها الشعوب الأكثر فقراً وضعفاً.