سياسة وتقنية
مايو 2026 تحليل سياسي 7 دقائق للقراءة
الذكاء الاصطناعي السياسة الأمريكية تنظيم التقنية وادي السيليكون حقوق العمال برني ساندرز
→ العودة إلى المقالات
نقاش سياسة الذكاء الاصطناعي
بين تضخيم وادي السيليكون ورؤى اليسار القيامية

فخ نهاية العالم:
كيف يعرقل اليسار الأمريكي صياغة قوانين واقعية للذكاء الاصطناعي؟

بدلاً من التركيز على تنظيم تقني واقعي للحد من تغول الشركات وحماية الوظائف، ينجرف الديمقراطيون واليسار الأمريكي نحو نظرة قيامية خيالية للذكاء الاصطناعي، مروجين -عن غير قصد- لرسائل التسويق الذاتي لعمالقة التكنولوجيا.

بقلم: صحفية في شؤون تكنولوجيا الأعمال  |  مصدر: قسم الرأي – نيويورك تايمز  |  ترجمة وإعداد: أحمد فاروق
20% احتمالية فناء البشرية بسبب الذكاء الخارق حسب جيفري هينتون
Claude روبوت المحادثة الذي استجوبه برني ساندرز حول كيفية تنظيمه
AFL-CIO تبنّى مبادئ لحماية قوة العمل من استبدال الذكاء الاصطناعي
DeepMind شهد احتجاج مئات المطورين ضد العقود العسكرية الوطنية
النسخة الصوتية للمقال

01 — استجواب الروبوت وخطاب الهستيريا

في أواخر مارس، نظّم السيناتور التقدمي البارز عن ولاية فيرمونت، برني ساندرز، فعالية غريبة ومحيرة؛ حيث عقد "مقابلة شخصية" مع روبوت المحادثة المطور للذكاء الاصطناعي (Claude) التابع لشركة Anthropic، مستجوباً إياه حول دور الذكاء الاصطناعي في العالم وأثر جمع البيانات على الديمقراطية. وذهب ساندرز لأبعد من ذلك حين سأل الخوارزمية عما إذا كانت "تؤيد أو تعتقد أنه من الجيد فرض حظر مؤقت على بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الجديدة".

لقد كان الرمز اليساري الكبير يطلب تقييماً ودليلاً تنظيمياً من برنامج ذكاء اصطناعي حول كيفية تنظيم نفسه، معاملاً إياه ككيان حيّ يفكر ويشعر، بدلاً من التعامل معه كبرمجية حاسوبية معقدة. ولم يكن هذا الحدث الغريب استثناءً؛ ففي أواخر أبريل، استند ساندرز في حديثه على شبكة CNN إلى تصريح رائد الذكاء الاصطناعي "جيفري هينتون" بأن هناك "احتمالاً بنسبة 10٪ إلى 20٪ أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فناء البشرية تماماً إذا أصبح أذكى من البشر".

هذا النوع من الخطابات القيامية التي يتداولها برني ساندرز تبدو وكأنها مقتبسة مباشرة من حساب إيلون ماسك على منصة إكس (تويتر سابقاً). يبدو أن قادة اليسار لم يعودوا مهتمين بنقاش عقلاني وواقعي حول كيفية إدارة هذه التكنولوجيا.

— مراسلة شؤون التقنية والأعمال، نيويورك تايمز

02 — تحالف غير مقصود مع أباطرة السيليكون

على الرغم من الاختلاف الحاد بين الخبراء، يستمر قادة شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون في ترويج فكرة أن الذكاء الاصطناعي يقترب من امتلاك "قدرات إلهية خارقة" وشديدة الخطورة لدرجة إمكانية حكم العالم وتدميره يوماً ما. والسبب وراء هذا التضخيم الخيالي ليس أمنياً؛ بل هو رغبة تجارية بحتة ترفع من أسهم شركاتهم وقيمتها التسويقية في البورصة.

المفارقة تكمن في أن هذه الشركات وجدت حلفاء غير متوقعين -ولكنهم متحمسون- لنشر هذه الدعاية التسويقية: الديمقراطيون ذوو الميول اليسارية وحلفاؤهم، مثل برني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، الذين عجزوا عن صياغة موقف تشريعي متماسك بشأن الذكاء الاصطناعي، فانزلقوا نحو تبني رؤية قيامية مبالغ فيها للمستقبل.

أباطرة وادي السيليكون المروج الحقيقي

يروجون لرؤية "الذكاء الإلهي الخارق" والتدمير الكوني لرفع القيمة السوقية لأسهم شركاتهم وجذب مليارات المستثمرين.

مشروع قانون ساندرز وأوكاسيو التشريع القيامي

مشروع قانون يطالب بوقف بناء مراكز البيانات، ويستند صراحةً لتصريحات المليارديرات كأدلة قانونية على نهاية العالم بيولوجياً.

ثغرة التنظيم المبالغ فيه خدمة الاحتكار

التركيز على مخاطر انقراض البشرية الخيالية بدلاً من الأضرار الحالية يساعد الشركات الكبرى على كتابة قوانين تقصي المنافسين الصغار.

التشريعات الهامشية قوانين ميتة

مشاريع قوانين ديمقراطية أخرى حول التحيز الخوارزمي أو تعزيز حقوق الإنسان تموت في اللجان وتفشل في الوصول للبيت الأبيض.

03 — المخاطر الحقيقية المهملة

في جوهر الأمر، لا ينكر أحد وجود مخاوف حقيقية تبرر قلق اليسار تجاه الذكاء الاصطناعي؛ فيجب أن نكون جميعاً قلقين للغاية بشأن استخدام هذه التقنيات في التطبيقات العسكرية الحساسة (مثل توجيه الصواريخ وتحديد الأهداف وتسيير الحروب)، بالإضافة إلى استخدامها في الرقابة الحكومية الجماعية وتتبع المواطنين.

كما أن الخطر يمتد لتهديد ملايين الوظائف وترك العاملين بلا دخل، فضلاً عن الاستهلاك المهول للطاقة والموارد المائية والتمويل الملياري الذي تتطلبه البنية التحتية والمولدات لتشغيل مراكز البيانات.

⚠ تهافت الأجندة التشريعية لليسار

في 25 مارس، اقترح ساندرز وأوكاسيو كورتيز تشريعاً يفرض تعليق بناء مراكز البيانات حتى توضع حدود تضمن عدم تهديد التكنولوجيا لـ "مستقبل البشرية" (وهي عبارة فضفاضة تفتقر للتعريف القانوني). الغريب أن مسودة المشروع استعانت باقتباسات من إيلون ماسك وبيل غيتس ولاري إليسون كأدلة قانونية؛ مما يعزز رسائل التسويق الذاتي لهؤلاء المليارديرات.

04 — الطريق البديل: الاستماع لصوت العمال

إذا كان التقدميون في واشنطن جادين حقاً في كتابة تشريعات واقعية تكبح جماح شركات التكنولوجيا وتحمي سبل عيش المواطنين، فعليهم التوقف عن سماع الرؤساء التنفيذيين والاستماع بدلاً من ذلك إلى الطبقة العاملة والوسطى في قطاع التقنية: المطورين، المهندسين، المحللين، وأصحاب المشاريع الصغيرة.

هؤلاء هم الأشخاص الذين يمتلكون فهماً عملياً وواقعياً لما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله وما يعجز عنه، وتوفر تجاربهم اليومية رؤية لا تقدر بثمن لصياغة قوانين تهم المجتمع.

حركات عمالية تقاوم تغول التقنية

  • مقاومة عمال Google DeepMind: احتج مئات المطورين والعلماء في المختبر ضد تعاون الشركة مع الجيوش الوطنية وتوظيف خوارزمياتهم في الحروب.
  • الاحتجاجات ضد عقود الحكومات: تظاهر موظفو Microsoft وGoogle وAmazon في الولايات المتحدة لمنع بيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي للحكومة الإسرائيلية أثناء حرب غزة.
  • مبادئ اتحاد العمل (AFL-CIO): إقرار قواعد تنظيمية لحماية القوى العاملة في مختلف القطاعات من الاستبدال والتشريد الوظيفي بسبب الخوارزميات.

إن تمكين هؤلاء العاملين والوقوف خلف نقاباتهم يمثل المفتاح الحقيقي لتغيير الفكرة السائدة بأن قطاع التكنولوجيا بأكمله يقف في صراع ضد مصالح الجمهور، ويثبت للمشرعين أن قوى التنظيم وحماية الحقوق تمتلك حلفاء حقيقيين داخل قلاع وادي السيليكون ذاتها.