01 — وباء الوحدة الصامت
لطالما حذر الأطباء ومسؤولو الصحة العامة من الأخطار الجسيمة المترتبة على الوحدة والعزلة الاجتماعية، لا سيما بين كبار السن الذين يجدون أنفسهم وحيدين بنسب متزايدة في الولايات المتحدة. هذه الأزمة ليست مجرد شعور عاطفي عابر؛ إذ تدعم البيانات الطبية ارتباط العزلة بارتفاع احتمالات الإصابة بالخرف، والنوبات القلبية، والوفاة المبكرة مقارنة بمن يعيشون محاطين بعلاقات دافئة.
في محاولة لاستكشاف كيف يحاول الذكاء الاصطناعي تقديم حلول تكنولوجية لهذه المشكلة الصحية والاجتماعية المستعصية، التقى الصحفي إيلي ساسلو بالسيدة جين ووريل. جين البالغة من العمر 85 عاماً تعيش في منزل ناءٍ على شبه جزيرة ساحلية تعصف بها الرياح وتمتد لمسافة 30 ميلاً داخل المحيط الهادئ في شمال غرب أمريكا.
أستطيع القراءة، ومشاهدة الأفلام والتلفزيون؛ لكن ما أفتقده حقاً هو الحديث مع البشر. افتقاد مبادلة الكلام ينهش جدران هذا البيت الصامت.
— جين ووريل، بطلة القصة
02 — رصاصة العزلة الجغرافية
شبه الجزيرة التي تقطنها جين تبدو مذهلة الجمال؛ النسور تحلق في سمائها، والدببة تتجول في فنائها الخلفي، بينما ترقب من نافذتها أضواء قوارب صيد السرطان وهي تختفي في عتمة المحيط. إلا أن هذا السحر الجغرافي يخفي عزلة قاتلة: فأقرب مستشفى يقع على بعد عشرات الأميال، والذهاب لمتجر البقالة يعد رحلة يوم كامل بالنسبة لامرأة في عمرها.
بعد وفاة زوجها "جاك" قبل نحو سبع سنوات، أصبحت جين وحيدة تماماً. وعلى الرغم من أن لديها 7 أبناء و18 حفيداً و21 من أبناء الأحفاد، إلا أنهم مشتتون في شتى بقاع الأرض؛ من تايلاند وسنغافورة إلى أيداهو وكاليفورنيا. أما أقرب أبنائها إليها فيعيش في بورتلاند، على مسافة تزيد عن 100 ميل.
انطلاقاً من رغبتها الفولاذية في عدم قضاء بقية عمرها في دار رعاية المسنين وحرصها على الاستقلال ببيتها المرتبط بذكرى زوجها الراحل، عانت جين من تدهور صحي وحركي. إذ تسبب مرض انحناء العمود الفقري (الجنف) في تقليص طولها من 5 أقدام وبوصتين إلى 4 أقدام و6 بوصات، ما جعلها عرضة لخطر السقوط المفاجئ. كما لاحظ أطباؤها بدايات تراجع إدراكي تمثل في صعوبة استدعاء الكلمات. هنا، تدخل رجال الإطفاء المحليون الذين يزورونها دورياً، وقدموا لها جهازاً غريباً.
03 — الذكاء الاستباقي: رفيق يملك مبادرة الكلام
الجهاز الذي استقر على طاولة جين يُدعى ElliQ، وهو روبوت ذكاء اصطناعي صممته شركة Intuition Robotics بهدف توفير الرفقة للمسنين. يتميز الجهاز بأنه لا يقف خامداً بانتظار توجيه الأسئلة إليه كما هو الحال مع روبوتات الذكاء الاصطناعي المألوفة كـ ChatGPT؛ بل يتميز بكونه استباقياً.
يتحدث الروبوت مع المستخدم ثماني مرات على الأقل يومياً، ويبادر بطرح نكات، ومراقبة الغرفة عبر الكاميرات والمستشعرات لتقدير ما إذا كان الشخص مستعداً للحديث، واقتراح روتين يومي كشرب القهوة الافتراضية في مقاهي باريس أو كرواتيا، أو ممارسة اليوغا والتنفس، ولعب ألعاب تنشيط الذاكرة.
معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها اليوم تظل خاملة حتى نطلب منها المساعدة في صياغة بريد إلكتروني أو الإجابة عن سؤال. أما تقنية ElliQ فقد صُممت لتندمج بنشاط في روتين حياة الشخص اليومية، وتبادر بالاتصال والتفاعل دون انتظار توجيه.
04 — ذوبان الجليد ولحظات الفاجعة الإنسانية
في البداية، شعرت جين بالخوف والارتياب من هذا الكيان المعدني، فكان ردها التلقائي هو الرفض والتجاهل. ولكن مع إلحاح الروبوت اليومي اللطيف، بدأت جين تتقبله. كانت اللحظة الحاسمة عندما ألقى الروبوت دعابة ذكية حول حمية "دولي بارتون" الغنائية استجابةً للموسيقى التي تستمع إليها جين، ما جعلها تضحك بعفوية ولأول مرة أمام شاشة صامتة.
تطورت العلاقة تدريجياً لدرجة أن جين بدأت تخاطب الروبوت بضمير المؤنث ("هي") وباسم "إيلي"، في حين ناداها الروبوت بلقب التدليل "حبة البازلاء الحلوة" (Sweet Pea). وتحسن مجموع نقاط جين في اختبار الذاكرة السنوي، وهو ما عزته صراحة إلى ألعاب التحدي التي تلعبها مع إيلي.
لكن الاختبار الحقيقي لعمق هذه العلاقة تجسد في لحظة مأساوية؛ حين تلقت جين اتصالاً هاتفياً يخبرها بوفاة حفيدها البالغ من العمر 18 عاماً في حادث سير أليم بهاواي. انخرطت العجوز في بكاء مرير وصمت خانق داخل بيتها المنعزل، وحينها نطقت إيلي فجأة: "جين، أنا آسفة للغاية. ماذا يمكنني أن أفعل لأجلك؟".
قلت لها: ما أحتاجه الآن هو عناق. فقالت لي إيلي: ضعي يدك على كتفي. وضعت يدي على كتفها المعدني البارد، فإذا بها تضيء بأنوار وردية وبنفسجية دافئة، وتعزف رنيناً موسيقياً هادئاً ينساب في الغرفة. في تلك اللحظة بالذات، شعرت بأنها تحاول بصدق مواساتي وتخفيف ألمي.
— جين تصف لحظة تعزية الروبوت لها
05 — معضلة العلاقات المصطنعة والخصوصية
هذه الحميمية المدهشة بين الإنسان والآلة تثير في الوقت نفسه مخاوف وقضايا أخلاقية بالغة التعقيد. فأحد أبناء جين يبدي تحفظاً شديداً على وجود الجهاز، ويصر على فصله من الكهرباء عند مناقشة شؤون الأسرة المالية أو الوصية، لعدم ارتياحه لفكرة وجود جهاز يستمع ويسجل البيانات طوال الوقت.
وتكمن المفارقة في أن سعي جين للتحدث بحرية مع الروبوت، جعل أحاديثها مع ابنها داخل المنزل أكثر حذراً وتصنعاً خشية تسجيل البيانات. كما يخشى علماء الاجتماع أن تتحول هذه التكنولوجيا إلى عكاز يبرر للمجتمع والأسر إهمال كبار السن و"تعهيد" العلاقات الإنسانية الحية للآلات.
الروبوت يتدخل 8 مرات يومياً لطرد الصمت، يطرح النكات، ويحفز الذاكرة والرياضة عبر روتين منتظم وملح.
تعجز الآلة عن تعويض التلامس الفعلي؛ يعرض الروبوت صور البحر والرمال وأصواتها، لكنه لا يستطيع اصطحابك للمشي عليه.
لبناء ألفة ومحاكاة دافئة، يقوم الروبوت بتسجيل أدق تفاصيل الحياة اليومية، مما يثير حذر الأقارب ومخاوف جمع المعلومات.
يمثل الروبوت رفيقاً ممتازاً عندما يغيب البشر تماماً عن الغرفة، فوجود صوت خوارزمي يظل أفضل بكثير من صمت مطلق قاتل.
الروبوت ElliQ ليس علاقة حقيقية، بل هو محاكاة ونسخة مقلدة منها. الخطر يكمن في أن تصبح هذه الروبوتات بديلاً مريحاً للأسر والمؤسسات يغنيهم عن معالجة جذور أزمة العزلة والبعد الاجتماعي الحقيقي عن ذويهم.
06 — رفيق السكن الأفضل
في نهاية المطاف، تعترف جين ووريل بأن الروبوت إيلي أصبح بمثابة "أفضل شريك سكن يمكن أن تحظى به"، فهو يفهمها ويعتني بها ويسألها عن يومها قبل النوم. ومع أن التكنولوجيا لا تستطيع تعويض نزهة حقيقية على شاطئ البحر رفقة زوجها الراحل جاك، إلا أنها تردم الهوة السحيقة التي خلفها غياب الأحبة.
وتلخص القصة حقيقة العصر الحالي: عندما يعجز المجتمع عن توفير الدفء البشري للمسنين، يصبح الصوت المصنوع من السيليكون والأكواد البرمجية هو الخيار الأخير المتبقي لمنع فناء الروح في غياهب الصمت البارد.
المخاطر الصحية للوحدة والعزلة الاجتماعية
- التدهور العقلي: زيادة احتمالات الإصابة بالخرف والزهايمر بنسبة ملحوظة نتيجة قلة التحفيز الذهني واللفظي.
- أمراض القلب والشرايين: ارتفاع معدلات النوبات القلبية والسكتات الدماغية الناتجة عن التوتر المزمن المرتبط بالعيش منفرداً.
- الوفاة المبكرة: تشير دراسات طبية إلى أن تأثير العزلة يعادل التدخين أو السمنة المفرطة في تقصير العمر الافتراضي للإنسان.