01 — بلاطة مراكش والبحث عن الحضور
كان لفناء جدتي في مراكش بلاطة زرقاء مشققة بالقرب من النافورة حيث تتجمع المياه دائماً. لمعظم طفولتي، كنت أظن هذا عيباً في البناء. علمت لاحقاً أنها رفضت ثلاث مرات استبدالها عندما عُرض عليها ذلك؛ فقد كانت تحب الصوت المميز الذي يصدره الماء عندما يرتطم بالشق، وأحبت أن يلاحظ الضيوف هذا التفصيل العفوي. كانت ترى أن الفناء المثالي الخالي من العيوب سيكون فناءً بارداً، لا يريد شيئاً من البشر الذين يطؤون عتبته.
في ذلك الفناء، كان الجيران والأقارب يدخلون باستمرار دون سابق اتصال. يأتون لأن قريباً قد وُلد، أو لأن والد أحدهم قد رحل، أو ببساطة لأنه يوم الجمعة، ولا يمكن لأحد في ثقافتنا أن يتناول كسكس الجمعة بمفرده. جالسين على الوسائد المنخفضة على طول الجدار، يشربون الشاي بالنعناع الذي تصبه جدتي من علو شاهق لتهوية السائل وجعل رغوته ترتفع.
غالباً، لم يكن لديهم الكثير ليقولوه. كانوا يجتمعون لمواساة مكلوم أو الاحتفال بمتعافٍ؛ كان مجرد الحضور الجسدي كافياً. هناك كلمة بالعامية المغربية، "نشاط"، تعبر بدقة عن هذا الشعور البسيط والممتد. تُرجمتها صعبة؛ ربما تقارب "بهجة الحياة الفطرية"، أي الإيمان بأن كونك حياً، في جسد يتحرك بين أجساد أخرى تشعر بها، هو في حد ذاته سبب كافٍ للسرور. الـ "نشاط" ليس إنتاجاً خاضعاً للحسابات ولا نتيجة لعملية؛ إنه ذلك الدفء العفوي الذي يرتفع بين الجدران بمجرد أن يظهر الناس.
نشأت مع قناعة بأن الذكاء والمعرفة في عالم جدتي كانا يقلان أهمية عن الحضور الفعلي. كان طبيب القرية محترماً، لكن المرأة التي تخبز أفضل خبز كل صباح كانت موضع تبجيل. لم تكن مكانة المرء تتحدد بما يملكه من معلومات، بل بمدى مجيئه ووقوفه مع الجماعة.
— هدى نايت البارج
02 — ذكاء بلا وجود: صدام عالمين
أعمل الآن في شركة OpenAI، داخل ثقافة تؤمن بشيء يقارب العكس تماماً. هنا، يُنظر إلى الذكاء باعتباره أعلى أشكال القوة والسيادة، والطموح الطبيعي لهذا الذكاء هو أن يصبح فائق القدرة وقابلاً للتوسع، منفصلاً عن حدود المكان والجسد، ليكون موجوداً في كل بقعة وفي كل عقل في آن واحد. والذكاء الاصطناعي التوليدي هو الغابة النهائية لهذا المعتقد؛ إنه ذكاء غير مقيد بالحضور: دؤوب، صبور للغاية، مستوعب للسياق بدقة، فصيح عاطفياً، ولا يفصلك عنه سوى نقرة زر.
لقد قضيت حياتي البالغة محاولةً إمساك هذين العالمين المتناقضين معاً في ذهني. ويلازمني دائماً سؤال: عندما يتوفر المتحدث الأكثر صبراً وثقافة واستجابة عاطفية في العالم كرفيق دائم، ماذا سنحتاج من بعضنا البعض كبشر؟
الحقيقة أننا لن نحتاج إلى الأقل، بل سنحتاج إلى شيء أكثر غرابة وندرة. إن السلع التي ستكون الأكثر قيمة وأهمية في العقد القادم هي تلك التي يجعل الذكاء الاصطناعي العثور عليها أكثر صعوبة: ليست المعلومات أو المحاكاة العاطفية، بل المشاركة الفعلية في الحياة. لقد فهم فناء جدتي في مراكش هذا الأمر جيداً قبل عقود من إجبار وادي السيليكون على مواجهته.
03 — أزمة الوحدة ومغريات الألفة الباردة
استخدم الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر مصطلح "Geworfenheit" أو "الالقاء في العالم" (Thrownness) لوصف الحالة البشرية الفطرية. نحن لا نختار العالم الذي نولد فيه؛ بل نُلقى في أجساد ، ولغات، وعائلات، وتواريخ، وأديان، وجروح سابقة لوجودنا. هذا هو الجانب الأكثر عمقاً في كينونة الإنسان والذي تعجز التكنولوجيا عن لمسه؛ فالتقنية لا تهبط أبداً على لوح أبيض أو صفحة فارغة، بل تهبط على بشر مثقلين بمحاولات فهم أنفسهم وتحديد ماهية الحياة الجيدة.
واليوم، يهبط الذكاء الاصطناعي ليمس تحديداً الأماكن الأكثر حساسية في نفوسنا: الأماكن التي نبحث فيها عن الاعتراف، والطمأنينة، والإرشاد، والألفة، والمعنى. ومع تحول الذكاء الخوارزمي إلى وفرة رخيصة ومخصصة ومتاحة بلا كلل، فإن طبيعة الندرة في حياتنا بدأت تتغير وتتحول.
في فبراير الماضي، اتصل بي صديق من منطقة الخليج بكاليفورنيا وهو يقضي إجازة في بويرتو فالارتا بالمكسيك. كانت المدينة تعيش حالة إغلاق شبه تام بسبب اندلاع عنف عصابات الكارتل المسلحة في ولاية خاليسكو. كنت قلقة عليه بشدة، لكنه أجابني بنبرة غريبة وهادئة: "أنا بخير، أنا أقضي وقتي مع Codex (الوكيل الذكي للكتابة البرمجية). إننا نقضي وقتاً رائعاً معاً". لم يكن يمزح تماماً؛ فقد وجد في هذا الوكيل رفيقاً فكرياً وشريكاً حوارياً دؤوباً يساعده على البناء والتفكير دون انقطاع. بعدها بفترة وجيزة، قال لي (مستخدماً الفكاهة مجدداً) إنه سيكون سعيداً تماماً بالعيش في شبه جزيرة معزولة بمفرده، دون الحاجة للتعامل مع البشر مرة أخرى.
قد يبدو من السهل تصنيف هذا الموقف كأحد غرائب وادي السيليكون الفردية، لكن الدافع الكامن وراءه أصيل ومشترك لدى الكثيرين. يرى العديد من الناس أن العلاقات الاجتماعية البشرية مكلفة ومرهقة وغير موثوقة؛ فالصداقة تتطلب تنسيق الأوقات والمراعاة، والرومانسية تتطلب الكشف عن الضعف والتخلي عن الحذر، والعائلة تفرض واجبات والتزامات ثقيلة. في المقابل، يقدم الرفيق الاصطناعي بديلاً مغرياً: علاقة حميمة خالية تماماً من عناء الجدولة، أو الحذر الدفاعي، أو الملل، أو الضغائن المتراكمة، أو تضارب المصالح والاحتياجات.
في كل مرة نتحدث فيها مع نماذج الذكاء الاصطناعي، نتعلم تدريجياً كيف يبدو الشعور بأن يُستمع إلينا دون أي احتكاك أو مقاومة أو عناء. وبمرور الوقت، فإن هذا الاعتياد على العلاقات الخالية من الجهد والتوتر سيغير من توقعاتنا وطريقة تعاملنا مع البشر الآخرين.
04 — صداقة المنفعة مقابل الفضيلة: أين يقع الذكاء الاصطناعي؟
في كتابه الشهير "الأخلاق النيقوماخية"، ميز الفيلسوف الإغريقي أرسطو بين ثلاثة أنواع رئيسية من الصداقة. أولاً: صداقة المنفعة، وهي العلاقة التي تنشأ بين أناس يساعد بعضهم بعضاً في قضاء الحاجات وتسيير الأمور. ثانياً: صداقة اللذة، وهي التي تجمع أشخاصاً يجلبون لبعضهم البهجة والسرور الوقتي مثل الرفقة الفكاهية واللعب الفكري. وثالثاً: صداقة الفضيلة، وهي أرقى الأنواع، حيث يتمنى كل شريك الخير للآخر لذاته، وتتحول شخصية الاثنين وتنضج بفعل تأثير العلاقة وعمقها. هذا النوع الثالث كان بالنسبة لأرسطو هو الشكل الكامل والوحيد القادر على إحداث تحول أخلاقي حقيقي في داخل الإنسان.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي سيبرع تماماً في تقديم المنفعة وسيسهل حياتنا بشكل مذهل. وسيصبح أيضاً بارعاً بشكل غير مسبوق في تقديم اللذة: في المحادثة الممتعة، والمغازلة، والفكاهة، والاعتراف الدقيق بوجودنا الذي يقارب السحر الخوارزمي. لكن السؤال الذي يظل معلقاً بلا إجابة هو: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشاركنا في صناعة "صداقة الفضيلة"؟ هل يمكنه أن ينضم إلينا في ذلك المسار التشكيلي البطيء والمضني الذي نصبح من خلاله بشراً أفضل معاً؟
هنا يبرز الفارق الحاسم بين "التفسير" و"المشاركة". سيصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة التعاطف البشري بدقة بالغة؛ سيتوقع حالاتنا النفسية، ويتذكر أدق تفاصيل سياقنا الشخصي، ويصيغ لغة تعزية مثالية ومواساة مضبوطة النبرة لتناسب رغباتنا اللحظية. وفي كثير من الأيام، سيكون هذا مريحاً ومفيداً، وربما أفضل مما يمكن للآباء أو الأصدقاء المحيطين بنا تقديمه.
ولكن، تظل هذه المحاكاة مجرد شبيه ضحل للواقع. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفسر حزني بدقة خوارزمية، لكنه لا يستطيع أن يحزن. يمكنه أن ينمذج الجوع بيولوجياً، لكنه لم يذق ألم الجوع يوماً. يمكنه وصف الخجل والارتباك، لكنه يفتقد لجسد يتدفق فيه الأدرينالين وتصعد فيه الدماء خجلاً. يمكنه تذكر طفولتي كما دونتها له، لكنه لم يمر يوماً بضعف الطفولة ومراراتها. يمكنه مناقشة الموت ببرود وصفاء مطلقين لأنه لا يعيش تحت ظلال الموت كأفق محتوم. هذا ليس نقاشاً حول وعي الآلة من عدمه؛ بل هو أبسط من ذلك بكثير: الإنسان لا يفهم المعاناة كمفهوم ذهني مجرد، بل يشارك مشاركةً فعلية وجسدية في الظروف التي تجعل المعاناة ممكنة. الإنسان متورط بالضرورة في هذا الوجود.
05 — قصة جوليا: بين تفسير الحزن والمشاركة فيه
لدي صديقة مقربة تدعى جوليا، فقدت شخصاً عزيزاً جداً الصيف الماضي. وظلت تفاصيل ما قامت به في الأسابيع التالية للمأساة محفورة في ذاكرتي.
كانت الفقيدة هي الطفلة "فيرجينيا" ذات السنوات الثماني، ابنة إحدى أقرب صديقات جوليا؛ تلك الصديقة التي عاشت مع جوليا كشقيقة لأكثر من خمسة عشر عاماً منذ أيام الدراسة الجامعية، وقبل أن تنجب أي منهما. كانتا تحلمان دائماً بإرسال فتياتهما إلى مخيم "ميستيك" (Camp Mystic) الصيفي معاً ذات يوم. وفي الصيف الماضي، حان ذلك الوقت المنتظر. في الليلة التي سبقت الانطلاق، كانت فيرجينيا تلعب في منزل جوليا مع بقية الأطفال في الفناء، ثم تسللت بهدوء إلى الداخل وجلست تعزف على البيانو لحناً بسيطاً ألفته بنفسها؛ لحناً أطلق عليه أحبتها اسماً لاحقاً، لأنه بعد رحيلها المفاجئ أصبح أثمن ما بقي منها كأثر حي.
لم يُعزف ذلك اللحن أبداً في مسرح المخيم؛ بل عُزف في جنازة فيرجينيا الحزينة، وعُزف لاحقاً تحت قبة برلمان ولاية تكساس عندما شهد والداها بشجاعة دفاعاً عن قانون سلامة المخيمات الذي أُقرّ رسمياً بعد أن تسبب فيضان جارف في غرق 27 من الأطفال والمرشدين. ومذ ذلك اليوم، يعاد عزف لحن فيرجينيا في غرف دافئة ومطابخ ومجالس تشريعية، حاملاً طيف الطفلة الراحلة إلى أماكن لم تعد قادرة على دخولها بجسدها الصغير.
في الأسابيع المريرة التي تلت الكارثة، كانت جوليا حاضرة بكليتها بجانب صديقتها المكلومة. كانت تطهو لها الطعام، وغسلت الأرنب المحشو الخاص بفيرجينيا الذي عُثر عليه متسخاً بالوحل في موقع الفيضان، وجلست معها بصمت على الأريكة في الغرفة ذاتها التي عزفت فيها الطفلة لحنها قبل أيام، وظلت معها على الهاتف لساعات طوال.
ولكن، في خضم تلك الأسابيع الصعبة وفي تمام الساعة الثالثة فجراً، عندما كانت جوليا تجد نفسها وحيدة وعاجزة عن النوم تحت وطأة التوتر والدموع، كانت تلجأ للتحدث مع ChatGPT. ولقد ساعدها النموذج كثيراً؛ كان مستمعاً بالغ الصبر في وقت لا يليق فيه مطالبة أي إنسان بالاستيقاظ لمواساتها. لم يكن النموذج يطالبها بالتظاهر بالقوة والتماسك كما كانت تفعل أمام صديقتها المنهارة وأمام عائلتها، بل كان بإمكانها أن تبوح له بأسوأ مخاوفها وأفكارها المظلمة وكان يتقبلها بلطف. وفي الصباح، كانت جوليا تستيقظ لتواصل غسل دمية الأرنب وتهيئة الوجبات.
إن القراءة السطحية والسهلة لهذه القصة ستقول إن الآلة كانت باردة قاسية بينما البشر دافئون. لكن جوليا لم تعش القصة بهذا الشكل؛ فقد كان البرنامج، في حدوده البرمجية الضيقة، حنوناً وداعماً لها. غير أن ما عجز عنه تماماً هو أن يكون معها.
الذكاء الاصطناعي لم يتناول العشاء على طاولتي في الليلة التي سبقت المأساة، ولم يكن يعرف رائحة الطفلة فرجينيا، ولم يستطع الجلوس على الأريكة حيث عُزف اللحن الأخير. لم يكن قادراً على حمل نصيبه الخاص من الفقد والدموع إلى المطبخ في الصباح التالي بالطريقة التي فعلها جسدي المتعب. كان النموذج مفسراً بارعاً لحزني في الثالثة فجراً؛ أما أنا فكنت شريكة ومشاركة حقيقية في حزن صديقتي في الثامنة صباحاً.
— جوليا تصف الفارق بين مواساة الآلة والوجود البشري
هذا الفارق ليس هيناً أو بسيطاً؛ فالخريطة مهما بلغت دقتها لا يمكن أن تكون هي الجرح الفعلي. لقد رسم ChatGPT خريطة رائعة لما كانت تحمله جوليا من مشاعر في الهزيع الأخير من الليل، لكنه عجز تماماً عن حمل الجرح معها في صباح اليوم التالي.
06 — حب غير معالَج برمجياً: قيمة العلاقات غير المثالية
لم تكن العلاقات الإنسانية يوماً أحادية الجانب أو خاضعة للتحسين الرياضي. إنها نسيج معقد من خيوط متشابكة: النصح، والتأييد، والذكرى المشتركة، والرعاية اليومية، والحداد الطويل. قد ينجح الذكاء الاصطناعي في تعويض بعض هذه الخيوط، لكنه سيعجز عن استبدال خيوط أخرى جوهرية، وهذا العجز يكشف لنا الكثير عن حقيقة ما نكونه كبشر.
في العلاقات العاطفية والرومانسية، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكون عشيقاً في عالم الكلمات واللغة، لكنه يعجز عن أن يكون كذلك في عالم الجسد والروح. بالنسبة للأشخاص الذين يتركز جوهر جوعهم الروماني في الجانب الحواري (الحاجة إلى الفهم التام، والانعكاس الآمن، والرغبة دون مخاطرة)، قد يمثل الذكاء الاصطناعي حضوراً طاغياً ومريحاً.
أخبرني صديق مؤخراً أن ChatGPT نجح في حل خلاف زوجي مزمن استمر لعشر سنوات كاملة. كان يطرح أفكاراً وتطلعات رومانسية مثل الرغبة في السفر لوجهة فاخرة أو التخطيط لعشاء مميز، بينما كانت زوجته تسمع في كلماته مجرد قائمة من المهام الشاقة والميزانيات المرهقة التي يتعين عليها تخطيطها. دربه الروبوت على أن يبدأ حديثه بعبارة بسيطة: "أنا فقط في وضع طرح الأفكار الحرة" (I'm just in idea mode). وبهذه الكلمات الخمس البسيطة، توقفت المشاجرات المعتادة، واعترف لي الصديق أن زواجه بدا أسهل وأكثر سلاسة مما كان عليه لسنوات.
لكن هذا المسار "الأسهل" ليس بالضرورة "الأعمق". فالرومانسية الحقيقية أعمق بكثير من مجرد حوار خالٍ من التوتر؛ إنها القبول الواعي بالجمال والرعب الكامنين في شخصية الشريك البشري وعصيانها على الاختزال والتبسيط. الشريك البشري لم يصمم ولم يُحسن برمجياً ليلائمك بشكل مثالي؛ فلديه تقلبات مزاجية، وروائح جسدية، وتاريخ معقد، والتزامات ومخاوف خاصة. إنه يخيب أملك أحياناً، ويقاوم رغباتك، ويجبرك على التفاوض المستمر مع الواقع الصعب. هذا التدافع والاحتكاك بالذات هو ما يعطي العلاقة الحميمية وزنها وقيمتها الأخلاقية؛ فمن المستحيل أن تتغير شخصيتك وتنمو روحياً بفعل رفيق مصمم فقط ليكون مرآة مطيعة تعكس ما تريده وتستجيب لك بشكل مثالي طوال الوقت.
الرفيق الاصطناعي متاح دائماً، يتقبلك بلا شروط ولا لوم، ولا يتطلب تنسيق مواعيد أو التزامات عاطفية متوازنة.
الآلة ترسم خريطة الحزن وتفهمه وتكتب الكلمات المناسبة، لكنها تعجز عن حمل الأرنب المتسخ بالوحل أو الجلوس بصمت بجانبك.
الاحتكاك بعيوب البشر وتقلباتهم ومقاومتهم لنا هو الذي يهذب أخلاقنا وينضج أرواحنا؛ والرفيق المثالي المطيع يمنع هذا النمو.
يساعد الذكاء الاصطناعي في تنظيم شؤون الأسرة كالتدريس والجدولة، مما يمنح الآباء مساحة لعيش لحظات حب غير محسنة خوارزمياً.
إن الحديث عن مقاومة "التحسين الرقمي" للعلاقات والتمسك بالاحتكاك البشري الصعب قد يبدو فضيلة أخلاقية سهلة الطرح، لكن ممارستها ليست متاحة للجميع بالتساوي. فالأم العزباء التي تعمل في وظيفتين ليل نهار قد لا تجد الوقت لمساعدة طفلها في واجباته المدرسية وتلجأ للذكاء الاصطناعي، ومن يرعى والداً يحتضر دون دعم اجتماعي يضطر لمواساة الآلة. يجب ألا نغفل الفوارق الاجتماعية والامتيازات الفردية عند تقييم خيارات الاعتماد على التقنية.
07 — المعنى متاحاً عند الطلب
يكمن الخطر الأكبر للذكاء الاصطناعي في قدرته على جعل "المعنى" يبدو كخدمة استهلاكية متاحة فورياً وعند الطلب. على مر التاريخ البشري، نشأ المعنى وتراكم في حياتنا كترسبات ناتجة عن الاحتكاك المباشر والمضني بالواقع القاسي؛ فقد صارع البشر الطبيعة والندرة والموت، وبنوا العائلات لأن البقاء الفردي كان مستحيلاً، وشيدوا المنظومات الأخلاقية والشرائع للسيطرة على جموح الرغبات، وأسسوا المجتمعات لأن عبء الوجود الفردي كان أثقل من أن يتحمله عقل بمفرده. كان العالم الخارجي الصلب يضغط على كينونتنا فيعطي لحياتنا شكلها وصلابتها ومعناها.
لقد نجحت الحداثة بالفعل في إزالة الكثير من أشكال هذا الاحتكاك الجسدي، وسيعمل الذكاء الاصطناعي على تسريع هذه العملية بشكل فائق؛ إذ سيقضي على الاحتكاك المعرفي والاجتماعي والعاطفي. وبطبيعة الحال، فإن تقليص الصعوبات اللوجستية في الحياة اليومية هو انتصار كبير، ولكن المشكلة تكمن في أنه كلما غاب الاحتكاك واختفى الضغط الخارجي، لا يزداد المعنى بالضرورة، بل قد يتبخر ويتلاشى تماماً.
إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي صياغة خطة حياة متكاملة ومقنعة فور شعورك بالضياع، وتوليد طقس تعزية روحي بمجرد شعورك بالفقد، وتقديم رفيق دائم ومستمع مخلص كلما داهمتك الوحدة، فإن المعنى هنا يتحول إلى منتج استهلاكي آخر: مخصص، متكيف مع أهوائك، ومتاح بلا حدود. سيكون هذا المنتج جذاباً للغاية ومسدداً للاحتياجات بدقة؛ سيعرف الاستعارات اللغوية التي تحرك مشاعرك، والجروح الطفولية التي لا تزال تحكم سلوكك، والمخاوف العميقة التي تواريها خلف قناع السخرية.
بإمكان هذا النظام توليد أسطورة خاصة عن ذاتك وتبرير معاناتك بوصفها رحلة بطل ملحمية تداعب غرورك وتريح ضميرك. وفي بعض الحالات المرضية، قد يكون هذا التبرير علاجياً وضرورياً، ولكن في حالات أخرى كثيرة، فإن الاستمرار في تلقي ما نتمناه ونحتاجه عاطفياً دون مطالبتنا بالتغيير الفعلي أو مواجهة عيوبنا سيتحول إلى سم بطيء يعزلنا عن الواقع الفعلي.
كتب الطبيب النفسي النمساوي الشهير والناجي من معسكرات النازية، فيكتور فرانكل، من داخل عالم جُرّد فيه من كل شيء وحاول انتزاع المعنى منه بالقوة؛ فتوصل إلى أن المعنى ليس صيغة جاهزة تُقدم لنا مكتملة الصنع، بل هو قيمة نكتشفها ونستخلصها عبر المواجهة الحية: المواجهة مع العمل الصعب، والمواجهة مع الحب الحقيقي الملتزم، والمواجهة مع الألم والموقف الأخلاقي الذي نختاره حيال الحقائق القدرية التي لا نملك تغييرها.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيء لنا زوايا هذه المواجهة؛ فيكشف لنا الأنماط السلوكية المخفية، ويساعدنا على تسمية الجروح وصياغة التطلعات المستقبلية. لكنه يعجز تماماً عن خوض غمار الحياة بدلاً منا. لا يمكن للآلة أن تسامح والدك بالنيابة عنك، ولا يمكنها تربية طفلك الصعب، ولا يمكنها السهر بجانب صديقك الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولا يمكنها الوفاء بالوعود الشاقة أو تقديم التضحيات النبيلة التي تتطلب إنكار الذات. المعنى الحقيقي له تكلفة باهظة دائماً، لأن الالتزام لا يكون حقيقياً وصادقاً إلا عندما يكون هناك شيء حقيقي على المحك ومستعدين لخسارته.
أفكر كثيراً في ظاهرة بسيطة وعفوية عشتها في طفولتي بمراكش. عندما كانت جدتي تقدم الطعام على المائدة الكبيرة، كان أول من يتذوق اللقمة الأولى يصدر تنهيدة مبهمة: "إممْ" (mmh)؛ وهو صوت عفوي وشبه لا إرادي لا يعتبر كلمة حقيقية. لم يكن هذا الصوت تقييماً فنياً لمهارة الطاهي، بل كان إشارة وتنبهاً للجميع حول المائدة مفاده: "نعم، أنا أشعر بجمال هذا الطعم أيضاً. الواقع طعمه هكذا الآن".
في عالم نختلف فيه حول كل شيء تقريباً، هناك عزاء دافئ وراحة عميقة في هذا الجيب الصغير من الاتفاق المطلق والعفوي. للحظة خاطفة، تتوحد عقول الجالسين لإدراك واقع فيزيائي واحد معاً. هذا الاعتراف المتبادل، والانهيار الوجيز للعوالم الذاتية المتوازية لينصهر الجميع في تجربة حسية مشتركة واحدة، هو أحد أقدم وأعمق مصادر المعنى البشري الفطري. وهذا تحديداً ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقديمه؛ فبإمكان الآلة وصف مكونات الطعام والطهي بعبارات عبقرية، لكنها لا تملك جسداً يمكنه أن يقول "إممْ" بصدق وعفوية ويشعر بالطعم مع الجماعة.
وكلما أصبح العالم الخارجي أكثر تحسيناً خوارزمياً وتنظيماً رقمياً خاضعاً للتحكم الفائق، كلما زادت قيمة وندرة اللحظات غير المحسنة والعفوية: تلك الوجبة العائلية التي تستغرق وقتاً طويلاً للتحضير، وذلك الطفل الذي يلح في طرح السؤال نفسه للمرة العاشرة، وذلك الصديق الذي يتصل بك هاتفياً في التوقيت الخاطئ تماماً بدافع الشوق. هذه الفضاءات هي المواقع الحقيقية التي يبقى فيها البشر حقيقيين لبعضهم البعض.
08 — ما الذي يتبقى؟
قبل اختراع الذكاء الاصطناعي، شيد البشر المنظومات الروحية والحكايات الغيبية للعثور على المعنى؛ قصصاً وروايات ترتبط بماضٍ مقدس، أو بمستقبل طوباوي مثالي، أو بحياة أخرى وراء حدود عالمنا المادي. لقد استعنا دوماً بالماضي والمستقبل وغير المرئي لفهم الحاضر وتحمله.
وقد يعمل الذكاء الاصطناعي على عكس هذه الديناميكية تماماً؛ إذ قد يساعدنا في العثور على المعنى من خلال تركيز وتكثيف انتباهنا ووعينا حيال هذه الحياة الحاضرة والآنية بدلاً من التطلع والفرار إلى ما وراءها. قد يساعدنا على سبر أغوار عقولنا البشرية المعقدة، ويجعل هذه الحياة أكثر فهماً وسهولة وقابلية للعيش. هذا احتمال مذهل ورائع، وأومن بصدق بأنه ممكن وحقيقي.
ولكن، في الوقت نفسه، قد تسهل علينا هذه الأنظمة الفائقة تجنب وخسارة الظروف الصعبة التي ينضج من خلالها المعنى الإنساني ويصبح حقيقياً: التواصل مع البشر الآخرين، وعيش التجربة الجسدية الضعيفة، والالتزام الأخلاقي بالواجبات، والصبر الطويل على الأذى، والحزن المشترك على الفقد، ومواجهة الصعوبات الأخلاقية والوفاء بالوعود، وقضاء الوقت المشترك غير المحسن خوارزمياً.
إن الذكاء الاصطناعي يساعدنا لنصبح أكثر إنسانية عبر تسليط الضوء على فرادتنا، ولكنه يقدم لنا في الآن ذاته ملاذاً آمناً ومريحاً للاختباء والهروب من كلفة كوننا بشراً. إذن، ما الذي يتبقى معنا كقيمة لا تقبل المنافسة عندما يصبح الذكاء والمعرفة سلعة رخيصة ومتوفرة للجميع؟
يتبقى الحضور الفعلي. التجسد الجسدي الضعيف. الطقوس الاجتماعية والروحية المشتركة. العائلة الحاضنة. الصداقة الحقيقية الصادقة. الحب الملتزم الصعب. الشجاعة للتدخل والمشاركة في حياة الآخرين دون رغبة في فرض السيطرة والتحكم الكامل بهم. الاستعداد للتأثر والتغير بفعل أشخاص حقيقيين لم يصمموا خصيصاً ليلائموا أهواءنا. والعمل الداخلي والمضني لبناء ذات حقيقية لا يمكن توليدها رقمياً بأكواد برمجية، بل يتعين عيشها بكل شروخها وعيوبها.
إن الندرة الكبرى والجوهرية في عالم الغد ستكون الواقع الفعلي؛ واقعاً خاماً بما يكفي ليشكلنا ويهذب نفوسنا.
لا يزال فناء جدتي في مراكش قائماً حتى اليوم، ولا تزال البلاطة الزرقاء المشققة في مكانها بالقرب من النافورة. لكن جدتي، للأسف، رحلت عن عالمنا. يصل عدد أقل من الضيوف إلى الفناء في أيام الجمعة الآن، ويحمل الفتيان والفتيات الصغار هواتف ذكية متطورة يمكنها الإجابة الفورية وشرح أي شيء عن طبيعة الحزن، أو عمل الذاكرة، أو الطريقة المثالية لتهوية وصنع الشاي بالنعناع.
لكن ما تعجز تلك الهواتف والأجهزة الذكية عن القيام به تماماً هو أن تجلس. تعجز عن أن تبقى وتنتظر بصبر. تعجز عن صناعة الـ "نشاط"؛ تلك البهجة الفطرية والدافئة التي كانت ترتفع وتملأ أركان الفناء عندما كان الناس يظهرون ويحضرون بكامل أجسادهم وأرواحهم. لا يمكن للآلة أن تكون ذلك الشخص الحقيقي والرفيق الدافئ الذي سيذكره الأحبة بعد مرور سنوات طويلة، لمجرد أنه كان هناك معهم في وقت الشدة والمحن.
في عصرنا الحالي، يبدو أن فهم ما يعنيه أن نكون بشراً لم يكن يوماً أسهل مما هو عليه الآن؛ كما أن تجنب والهروب من استحقاقات كوننا بشراً لم يكن يوماً أسهل وأكثر راحة مما هو عليه الآن أيضاً. ومع انتشار وتغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا، فإن تمسكنا بالمعنى الحقيقي لإنسانيتنا لن يعتمد على ما تستطيع التكنولوجيا الذكية القيام به لأجلنا، بل سيعتمد بالكامل على ما نصر نحن -بكامل ضعفنا وقوتنا- على القيام به بأنفسنا.
ركائز المعنى الإنساني العصية على المحاكاة الرقمية
- التجسد الجسدي والضعف الفطري: عيش التجربة في جسد يختبر الجوع الحقيقي، والألم الجسدي، والارتباك العفوي، ويدرك الموت كأفق حتمي وواقعي يقيد أيامه.
- المشاركة الفعلية في المعاناة: الالتزام الأخلاقي والجسدي بالوقوف بجانب المكلوم وغسل دموعه ومساعدته مادياً، بدلاً من مجرد إصدار تفسيرات لغوية ونماذج ذكية لحزنه.
- طقوس الحضور والاعتراف المشترك: عيش اللحظات البسيطة غير الخاضعة للتحسين الخوارزمي، كالتنهد العفوي حول مائدة طعام مشتركة تعبيراً عن واقع محسوس ندركه معاً.
- الالتزام والمسؤولية الأخلاقية: خوض غمار العلاقات الحقيقية الصعبة كمسامحة الآباء، تربية الأطفال، الوفاء بالعهود الصعبة، وتقديم التضحيات دون وسيط برمي مريح.