01 — فلسفة "الطفل الجميل" والسباق ضد التنين
بدأت ولاية الرئيس دونالد ترامب بفلسفة واضحة وحاسمة تجاه قطاع الذكاء الاصطناعي؛ تتلخص في إلغاء وتفكيك كل القواعد الرقابية وإجراءات السلامة التي فرضتها إدارة بايدن السابقة. ووفقاً لتعبير ترامب، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل "طفلاً جميلاً ولد للتو"، ولا ينبغي تكبيل خطواته الأولى بالقواعد السياسية البيروقراطية أو القوانين الغبية.
هذه العقلية حظيت برعاية وتوجيه مباشر من مفوض الذكاء الاصطناعي بالبيت الأبيض، المستثمر الجريء ذو التوجهات الليبرتارية ديفيد ساكس. واستند ساكس في إقناع الرئيس إلى حجتين مركزيتين:
أولاً، المنافسة الجيوسياسية: إن الحرب التكنولوجية مع الصين هي صراع وجودي لتحديد القوة العظمى المهيمنة على القرن الحادي والعشرين، وأي إبطاء للمسيرة الأمريكية سيعني تسليم القيادة لبكين.
ثانياً، الرافعة الاقتصادية: فالطفرة التكنولوجية تظل المحرك الرئيسي لاقتصادات المستقبل، ولا يجب تعطيل مصالح مستثمري وادي السيليكون الذين يمولون الابتكار الوطني.
السباق على تطوير الذكاء الاصطناعي يفوق بأهميته سباق الفضاء التاريخي؛ فهو لن يحدد فقط من سيصل للمدار بل من سيعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وقواعد الحوكمة في القرن المقبل.
— ديفيد ساكس، مفوض الذكاء الاصطناعي للبيت الأبيض
02 — نموذج Mythos وصدمة إبريل الوجودية
في إبريل الماضي، تلاشت هذه النظرة التفاؤلية تماماً؛ حيث واجهت واشنطن والقطاع التكنولوجي جرس إنذار حاداً. فقد أعلنت شركة Anthropic عن تطوير نموذج سري خارق يُدعى Mythos، يمتلك قدرات استثنائية ومدمرة في اكتشاف الثغرات الأمنية في البرمجيات وإطلاق الهجمات السيبرانية المؤتمتة.
خشيت الشركة من طرح النموذج للعامة نظراً لخطورته الفائقة وإمكانية استخدامه من دول معادية أو جماعات تخريبية لتعطيل شبكات الكهرباء والمنظومات المصرفية. وعوضاً عن الطرح العام، قررت الشركة تقديم نسخة خاصة وحصرية لمجموعة مغلقة تضم 40 شركة كبرى فقط لفحص وتأمين أنظمتها.
أثار هذا الإعلان رعباً واسع النطاق؛ حيث سارعت شركة Microsoft (التي توفر البنية البرمجية لمعظم المؤسسات الحكومية الفيدرالية) لإجراء اتصالات مكثفة بالبيت الأبيض تحذر من التهديد السيبراني. وفي ذات الوقت، تلقى الرئيس تحذيرات مماثلة من قطاع المال والأعمال يقودها الرئيس التنفيذي لبنك "جي بي مورغان تشيس" جيمي دايمون، محذراً من انهيار المنظومة البنكية في حال غياب رقابة الحد الأدنى.
03 — التيارات الأربعة وصراعات صياغة الحوكمة
أدى الخوف من وقوع هجوم سيبراني كارثي يظهر الإدارة بمظهر العاجز أو المتواطئ إلى إطلاق صراع مرير خلف الأبواب المغلقة بالبيت الأبيض بين أربعة تيارات استراتيجية متباينة:
يعتبر القوانين الرقابية عائقاً استراتيجياً يسلم التفوق التكنولوجي للصين ويخنق الابتكار الوطني، ويدعو لحرية كاملة للشركات دون إبطاء عمليات الإطلاق.
يسعى لفرض نظام فحص واختبار طوعي وسريع (خلال 30 يوماً) للتأكد من سلامة النماذج البرمجية أمنياً دون تقييد القدرة التجارية أو طلب تراخيص ملزمة.
يخشى تغول أثرياء التقنية وغياب المحاسبة وتهديد الاستقرار الأخلاقي (العلاقات مع الروبوتات)، ويطالب بإلزام الشركات بالفحص الحكومي قبل الإطلاق كفحوصات الأدوية.
يطالب بوقف فوري لبناء مراكز البيانات لحماية البيئة والوظائف، واستحواذ الدولة على 50% من أسهم الشركات عند الطرح لإنشاء صندوق سيادي وطني.
الدراما اللحظية وتطويع الأمر التنفيذي
- انقلاب الخميس الرئاسي: صاغ وزير الخزانة سكوت بيسينت ورئيسة الموظفين سوزي وايلز مسودة تفرض مراجعة النماذج لمدة 90 يوماً. وقبل لحظات من حفل التوقيع التلفزيوني يوم الخميس 21 مايو، ألغى ترامب الفعالية فجأة بعد مكالمة هاتفية حاسمة مع ديفيد ساكس ومارك زوكربيرج حذروه فيها من عرقلة الشركات.
- تحول المراجعة لـ 30 يوماً: استمر بيسينت ووايلز في الضغط محذرين من عواقب اختراق البنية التحتية. وتم عقد اجتماع حاسم خفض فترة المراجعة البرمجية من 90 يوماً إلى 30 يوماً فقط مع إلغاء فرض التراخيص المسبقة للحصول على موافقة ساكس.
- التوقيع الصامت والباب المفتوح: صبيحة يوم الثلاثاء الماضي، نُشر الأمر التنفيذي على موقع البيت الأبيض دون أي جلبة إعلامية أو حضور للصحافة، في تنازل تكتيكي متبادل بين الجناح الاقتصادي ووادي السيليكون.
04 — اليمين الأخلاقي واليسار الاشتراكي: المخاوف الكبرى
خارج أروقة الإدارة، تعالت الأصوات المطالبة برقابة أكثر صرامة ومسؤولية قانونية ملموسة. فمن جهة اليمين المحافظ، شن ستيف بانون هجوماً حاداً على من أسماهم "أباطرة التقنية" (Broligarchs)، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي بشكله الحالي غير متوافق بنيوياً مع المجتمعات الحرة والديمقراطية في حال ترك القوة للشركات الاحتكارية لتوجيه المجتمع دون محاسبة أو شفافية.
وانضم لبانون عشرات القساوسة والزعماء الدينيين من ولاية تكساس والجنوب الأمريكي الذين أرسلوا خطاباً للرئيس؛ مدفوعين بمخاوف أخلاقية عميقة نشأت بعد انتشار استخدام "رفقاء الذكاء الاصطناعي" وانهيار بعض العلاقات الأسرية، مطالبين بفرض "ترخيص حكومي إلزامي" ومستلهمين مشروع القانون الثنائي المقترح من السيناتور الجمهوري جوش هاولي.
وعلى الضفة الأخرى، قاد السيناتور التقدمي برني ساندرز مواجهة فكرية فريدة من نوعها؛ حيث أجرى حواراً مباشراً مع خوارزمية Anthropic "كلود" حول تداعيات الأتمتة على فقدان الوظائف وصحة الأطفال النفسية. وطرح ساندرز تشريعاً جريئاً يُدعى "صندوق الثروة السيادي للذكاء الاصطناعي الأمريكي"، ينص على استحواذ الحكومة على حصة 50% من أسهم شركتي OpenAI وAnthropic عند طرحهما العام في البورصة لمشاركة الأرباح مباشرة مع الشعب الأمريكي.
05 — قنبلة مولوتوف وعجز الكونجرس المعتاد
مع تصاعد التوتر ووقوع حادثة اعتداء بزجاجة مولوتوف حارقة على قصر الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان في سان فرانسيسكو، استشعرت الشركات التكنولوجية أن الاستمرار في العمل دون غطاء قانوني أو حماية تضمن موثوقية السوق سيفجر أزمة ثقة شعبية. ولهذا أصدرت شركة OpenAI بياناً تدعو فيه الكونجرس لوضع تشريعات وحماية واضحة لتنظيم الأمن والسلامة.
ومع ذلك، يظل التساؤل الملح يطرح نفسه بقوة: هل يستطيع المشرعون مواكبة هذه التقنية المتسارعة؟ إن تاريخ صناعة شبكات التواصل الاجتماعي ومخاطرها (الاستقطاب وتدمير الصحة النفسية للأطفال) مستمر منذ 15 عاماً دون إقرار قانون حقيقي واحد للحد من توغل الشركات.
لكن الفارق الأساسي اليوم هو القوة الاقتصادية العاتية لقطاع الذكاء الاصطناعي؛ الذي يغذي بمفرده أكثر من نصف معدل نمو الناتج المحلي الأمريكي، مما يمنح الشركات "عصا غليظة" تمنع أي تحرك حكومي جاد. وإلى أن تقع كارثة حقيقية تفقد فيها نيويورك إضاءتها أو تنهار منظومة بنكية كبرى، سيظل الباب موارباً أمام طفل إيلون ماسك الجميل ليعبث بما يشاء.