01 — احتفال بلا شغف وتحديات البداية
ينطلق كأس العالم الأكبر تاريخياً الأسبوع القادم في 16 مدينة عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخباً ولعب 104 مباريات. ومع ذلك، لا يبدو أن أحداً في أمريكا يشعر بالإثارة الحقيقية. كان من المتوقع أن تتبنى الجماهير الأمريكية اللعبة التي يعشقها المليارات، لا سيما مع تواجد رموز تاريخيين يملكون شهرة الكلمة الواحدة مثل ميسي، ومبابي، ورونالدو، وصلاح.
لكن هذا المحفل -الذي يفترض أن يكون خلفية بهيجة للاحتفال بمرور 250 عاماً على تأسيس أمريكا- محاط بالتوتر والتخوف؛ فنسب حجز الفنادق بالكاد بلغت النصف، وهناك فتور جماهيري واضح في المدن الرئيسية. نيويورك على سبيل المثال، التي ستحتضن النهائي في ملعب "ميتلايف" الشهر القادم، مشغولة بمباريات فريق "النيكس" لكرة السلة أكثر بكثير من اهتمامها بالبطولة الكونية.
كان جدي لاعباً بارعاً للبيسبول، وتم تجنيده كقاذف قنابل يدوي في الحرب العالمية الثانية بفضل ذراعه القوية. لسنوات طويلة تلت الحرب، كان يمزح دائماً قائلاً إن "الرياضة الشيوعية" الوحيدة هي تلك التي لا تسمح لك باستخدام يديك.
— من كواليس النظرة التقليدية الأمريكية لكرة القدم
02 — سياحة خائفة وأسعار تحرق الجيوب
يعود الفتور لأسباب هيكلية ومالية وأمنية معقدة. فالحصول على تذكرة لحضور مباراة تحول إلى ترف لا يقوى عليه سوى الأثرياء. باستثناء فئة محدودة من التذاكر منخفضة القيمة، يبلغ السعر الرسمي للمقاعد البعيدة ما بين 400 إلى 600 دولار. أما في الأسواق الثانوية ومواقع إعادة البيع، فقد سجلت التذكرة الأقل سعراً لنهائي كأس العالم في نيويورك 8,000 دولار، وتتجاوز بعض البطاقات حاجز 84,000 دولار.
تزامناً مع الأزمة المالية، تخيم على البطولة مخاوف صحية وأمنية؛ فالسياح المكفوفون والمبصرون على حد سواء يخشون انتشار وباء إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ويشعر بعض القادمين من الخارج بالقلق من قيام وكالة إنفاذ قوانين الهجرة (ICE) بغارات ترحيل جماعية خارج الملاعب، أو تعرض التجمعات السياحية الكبرى لهجمات إرهابية.
03 — مقارنة التناقضات الأربعة لمونديال 2026
ترسم البطولة صورة متناقضة تجمع بين الإمكانات الهائلة للشعبية الرياضية المتنامية والواقع المشوه سياسياً وأمنياً:
تطور كبير في مشاركة الشباب وإطلاق قوي للدوري الأمريكي (MLS) مدعوماً بصفقة آبل وعقد ميسي التاريخي مع إنتر ميامي، ونمو شعبية المنتخب النسائي البطل.
عزوف محلي واضح، فنادق نصف فارغة، وتشتت الانتباه باتجاه الرياضات الأمريكية التقليدية مثل السلة والبيسبول بدلاً من التفاعل مع ضيوف البطولة الكونية.
تحول التذاكر إلى وسيلة للمضاربة بأسعار تبدأ بـ 400 دولار وتصل لـ 84,000 دولار، مما دفع السياسيين للمطالبة بتذاكر مخفضة لمنع اضطرار المواطن لرهن منزله لمشاهدة مباراة.
استمرار الحرب ضد إيران التي اندلعت على يد ترامب الذي مُنح للتو جائزة الفيفا للسلام، والتهديدات الإرهابية، وصعوبة التأمين التي تعادل 78 مباراة سوبر بول.
شبح ترامب والاستحواذ على الكؤوس
- نهب كأس العالم للأندية: أثار ترامب ذهول الجميع العام الماضي عندما احتفل بفوز تشيلسي ببطولة كأس العالم للأندية وكأنه هو من هزم باريس سان جيرمان، ثم استولى على الكأس وعرضها في المكتب البيضاوي (مما اضطر الفيفا لتسليم الفريق نسخة بديلة لاحقاً).
- رضوخ الفيفا واسترضاء الرئيس: يمارس رئيس الفيفا جياني إنفانتينو مداهنة مفرطة لإرضاء ترامب لضمان عائدات البطولة البالغة 9 مليارات دولار؛ حيث أجرى قرعة المونديال في مركز كينيدي وأتاح لترامب المشاركة في السحب، وابتكر "جائزة الفيفا للسلام" خصيصاً لمنحه إياها.
- أزمة التهديد بضم كندا: لم تقتصر المشاكل الدبلوماسية على حرب إيران وتدريب منتخبها في المكسيك؛ بل امتدت لتغريدات ترامب التي هدد فيها بضم كندا (الشريك في الاستضافة) واصفاً إياها بالولاية الـ 51.
04 — الجيوسياسية المظلمة وتاريخ فيفا المريب
لا تعتبر الفيفا غريبة على تسليم بطولاتها لدول ذات علاقات معقدة ومثيرة للجدل مع العالم الخارجي؛ ففي عام 2018 أقيم المونديال في روسيا مانحاً فلاديمير بوتين منصة استعراضية برغم تدخلاته العسكرية في أوكرانيا وجورجيا، وفي 2022 استضافت قطر النسخة رغم قضايا حقوق العمال الساخنة وغياب تقديم المشروبات الترفيهية للجمهور.
بيد أن الفارق الاستثنائي هذه المرة هو حجم التعقيد الجيوسياسي الذي يربط الاستضافة بحرب مستعرة في الشرق الأوسط. حرب إيران التي ألقت بظلالها على مشاركة منتخبها الوطني (الذي نقل معسكره التدريبي من أريزونا إلى المكسيك بسبب تعقيدات أمنية)، ترافقت مع تحذيرات حادة لوزير الأمن الداخلي ماركواين مولين الذي شبه مهمة حماية المونديال بـ "تأمين 78 مباراة سوبر بول متزامنة"، محذراً من أن ساحات تجمع المشجعين المفتوحة (Fan Zones) تمثل أهدافاً هشة يصعب إحكام القبضة الأمنية عليها.
05 — سحر المستطيل الأخضر وهل ينقذنا ميسي مجدداً؟
رغم هذه الفوضى، تنطلق البطولة بمباراة الافتتاح بين المكسيك وجنوب أفريقيا في مكسيكو سيتي، ويلعب المنتخب الأمريكي أولى مبارياته ضد باراغواي في لوس أنجلوس. ويأمل عشاق اللعبة أن تعيد تفاصيل المستطيل الأخضر وهيبة النجوم سحر المونديال كما حدث في قطر؛ عندما توج ميسي بالأفضل تاريخياً على حساب مبابي وباريس وتناسلت كل اتهامات الفساد ودرجات الحرارة الخانقة خلف روعة الأداء الرياضي.
يرى الكاتب والمؤرخ الرياضي روجر بينيت أن كأس العالم ستكون ضخمة بغض النظر عن نتائج المنتخب الأمريكي؛ لأنها ستعيد الجماهير لجذورها القومية والتاريخية المهاجرة، متذكراً الأجواء الفريدة لمونديال 1994 عندما التقت إيطاليا بإيرلندا، فتحول نصف الملعب إلى مسلسل "آل سوبرانو" الإيطالي، والنصف الآخر إلى رواية "رماد أنجيلا" الإيرلندية البائسة. هذا هو السحر الحقيقي للمونديال الذي يطرد الظلمات وينشر النور، شريطة ألا يستولي ترامب على الكأس الذهبية في النهاية أيضاً.