01 — مونديال التوسع والسياسة: 48 منتخباً و104 مباريات
ينطلق مونديال 2026 حاملاً معه الكثير من التحديثات الجذريّة التي ستجعل منه أضخم حدث رياضي على وجه البسيطة. لأول مرة في التاريخ، ستتوزع البطولة على ثلاث دول مستضيفة بالاشتراك: كندا، والمكسيك، والولايات المتحدة الأمريكية التي ستحظى بالنصيب الأكبر من المواجهات بدءاً من الساحل الغربي (لوس أنجلوس، وسياتل، وسان فرانسيسكو)، مروراً بمدن الجنوب والوسط مثل دالاس، وهيوستن، وأتلانتا، وكانساس سيتي، ووصولاً إلى الساحل الشرقي (ميامي، وبوسطن، وفيلادلفيا)، على أن تقام المباراة النهائية المرتقبة في نيويورك (تحديداً في نيوجيرسي).
أما الابتكار الأبرز للبطولة فيكمن في رفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً بعد أن كان ثابتاً عند 32 منذ مونديال فرنسا 1998. هذا التوسع يعني تأهل نصف منتخبات الكوكب تقريباً، ورغم أنه سهل من عمليات الصعود، إلا أنه لم ينجح في إنقاذ منتخبات كبرى مثل إيطاليا واليونان اللتين فشلتا مجدداً في حجز تذكرتيهما.
لتصفية هذه المنتخبات الـ 48 الموزعة على 12 مجموعة من أربعة فرق، سيتطلب الأمر لعب 72 مباراة في دور المجموعات فقط، بواقع 4 مباريات يومياً على مدار 24 يوماً متواصلة. ويعود السبب الحقيقي وراء هذا التوسع إلى "سياسة كرة القدم"؛ إذ إن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يتكون من 211 اتحاداً وطنياً يجتمعون كل أربع سنوات لانتخاب الرئيس، وحين يملك الرئيس الحالي، جياني إنفانتينو، المزيد من الهدايا (مثل مقاعد إضافية في المونديال) لتوزيعها على الأعضاء، يصبح تأمين إعادة انتخابه أمراً غاية في السهولة.
التوسع المونديالي يخدم بوضوح اللعبة السياسية داخل أروقة الفيفا، لكنه في الوقت ذاته يفتح الأبواب أمام جماهير ودول لم تحلم يوماً بمعايشة سحر المونديال على أرض الواقع.
— طارق بانجا، مراسل كرة القدم العالمي
02 — أحلام المنتخبات الحالمة والشتات: من كوراساو إلى الكونغو
الجانب المشرق لهذا التوسع هو صعود منتخبات لم يكن لها أي وزن تاريخي في خريطة الكرة العالمية. ومن أبرز هؤلاء الحالمين منتخب جزيرة كوراساو الكاريبية الصغيرة، التي لا يتجاوز إجمالي سكانها 160 ألف نسمة (أي ما يعادل سعة ملعبين كاملين مثل ملعب أزتيكا التاريخي في المكسيك). يتكون تشكيل هذا المنتخب بالكامل تقريباً من لاعبين وُلدوا في هولندا لكنهم يحملون روابط أسرية (آباء أو أجداد) بالجزيرة.
وتبرز أيضاً مشاركة الأردن الذي حصد تأهلاً تاريخياً لأول مرة، ومنتخب العراق العائد للواجهة بعد غياب عقود، وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي لم تبلغ النهائيات منذ أن كان اسمها "زائير". ولا ننسى منتخب هايتي الذي يتأهل في ظل ظروف داخلية عصيبة من العنف وانعدام الاستقرار، لتكون الـ 90 دقيقة على العشب الأخضر هي المساحة الوحيدة للفرح والتمثيل المشرف للشعوب التي تواجه تحديات وجودية.
03 — خريطة القوى وصراع الألقاب: الأربعة الكبار والخيول السوداء
تتوزع هوية المنافسين في هذا المونديال بين مرشحين تقليديين للذهب، وخيول سوداء قادرة على إحداث الفارق بفضل الأجواء الجغرافية أو الأداء الجماعي، إلى جانب أساطير يخوضون الرقصة الأخيرة لتخليد أسمائهم:
تتصدر إسبانيا بطلة أوروبا بقيادة اليافع الساحر لامين يامال، تليها فرنسا بترسانتها الهجومية المرعبة (مبابي، ديمبيلي، ديزيريه دوي)، إلى جانب إنجلترا بقيادة هاري كين، والبرتغال بتركيبتها المتوازنة.
أمريكا المستضيفة بقيادة بوليسيتش مستفيدة من الأرض والجمهور، وإكوادور المتعودة على اللعب في الطقس الحار والملاعب غير المكيفة، والنرويج بقيادة الهداف الفتاك إيرلينغ هالاند، والبرازيل البعيدة عن الأضواء والضغوط.
منتخبات مثل كوراساو (شتات هولندا)، والأردن، والعراق، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهايتي. تمثل هذه الفرق الجانب الرومانسي والمشوق للبطولة الذي يصنع المعجزات.
الظهور المونديالي الأخير لليونيل ميسي (الأرجنتين حاملة اللقب) بمنتخب متقدم في السن، ومنافسه التاريخي كريستيانو رونالدو (البرتغال)، والمايسترو الكرواتي لوكا مودريتش.
حقائق كروية من معسكرات المنتخبات
- ظاهرة الشتات الفرنسي: تعد ضواحي باريس الخزان البشري الأول لتفريغ أفضل مواهب الكرة في العالم؛ بفضل تداخل المهاجرين من غرب وشمال إفريقيا والكاريبي الذين يرفدون الديوك الفرنسية بجيل ذهبي تلو الآخر.
- أيقونة إسبانيا الجديدة: يكسر لاميـن يامال، ابن السابعة عشرة، الهيمنة الطويلة لميسي ورونالدو على اهتمام الشارع الكروي، مقدماً سحراً خالصاً جعل الجماهير غير المهتمة بالكرة تقف مشدوهة أمام مهاراته الفذة.
- ماكينة الأهداف النرويجية: تبني النرويج آمالها الكاملة على عودة إيرلينغ هالاند لهز الشباك بكثافة؛ إذ تمتلك الدولة الإسكندنافية الموهبة الهجومية الأبرز لحسم المواجهات المغلقة.
04 — صدمة التذاكر الفلكية ومصيدة التسعير الديناميكي
خلف المتعة الكروية المنتظرة على العشب الأخضر، تشتعل أزمة حادة خارج الميدان بسبب أسعار التذاكر الفلكية التي أثارت غضب واستياء الجماهير في جميع أنحاء العالم. الأسعار في هذه النسخة تضاعفت من 3 إلى 10 مرات مقارنة بمونديال قطر 2022 (الذي كان يُعد الأغلى تاريخياً). على سبيل المثال، ارتفع سعر تذكرة الفئة الأولى للمباراة النهائية من 1,000 دولار في قطر إلى 10,000 دولار في هذه النسخة!
السبب وراء هذا الارتفاع الجنوني هو استغلال الفيفا للقدرة الشرائية المرتفعة للمواطنين في أمريكا الشمالية، إلى جانب إدخال تقنية "التسعير الديناميكي" (Dynamic Pricing) لأول مرة في تاريخ المونديال. وبموجب هذا النظام، ترتفع الأسعار بشكل خوارزمي بناءً على حجم الطلب؛ مما قفز بأسعار تذاكر مباريات دور المجموعات العادية إلى 800 و1,000 دولار.
ولم تتوقف المعاناة عند الأسعار؛ بل امتدت لتغيير الفيفا المستمر لتصنيفات المقاعد داخل الملاعب. حيث اشتكى العديد من المشجعين من دفعهم لآلاف الدولارات في الفئة الأولى ليجدوا مقاعدهم في أعلى مدرجات الاستاد (Nosebleeds). هذا الارتباك وغياب الشفافية دفع بالمدعي العام لولايتي نيويورك ونيوجيرسي إلى الإعلان عن نيتهم بدء إجراءات قانونية ضد الفيفا للتحقيق في هذه الممارسات الاحتكارية.
05 — شغف يتحدى الأرقام: حين يصبح الـ "أنا" جزءاً من الـ "نحن"
رغم العقبات المالية، يثبت المشجعون أن شغف كرة القدم يقترب من حدود الطقوس الدينية التي لا تمنعها العوائق المادية. ففي حديقة ببوينس آيرس، تجمع مشجعون أرجنتينيون يخططون للسفر؛ ومن بينهم المشجع "ماتياس سيليستينو" الذي سافر خلف الأرجنتين في جميع مبارياتها الـ 18 بالتصفيات، ولكي تتمكن زوجته من مرافقته إلى المونديال بعد رفض إجازتها، أقدمت ببساطة على تقديم استقالتها من وظيفتها!
هذا الجنون الجميل يذكرنا بمقولة الكاتب اللاتيني الشهير إدواردو غاليانو عن سيكولوجية المشجع: "المشجع الحقيقي لا يقول أبداً: يلعب فريقي اليوم، بل يقول: نلعب نحن اليوم". وحين يدخل الاستاد، فإن الـ "أنا" المنفردة تذوب بالكامل لتصبح "نحن" جماعية صاخبة، وحين ينتهي المونديال يعود الفرد لعزلته مجدداً متذكراً تلك اللحظات السحرية.
لكن الخبر السار للجميع هو أنه حتى لو عجزت عن شراء التذاكر داخل الملاعب، فإن التجربة المجتمعية والتجمعات الجماهيرية في الشوارع وخارج الملاعب ستكون متاحة بالكامل ومجانية. ما عليك سوى فتح باب منزلك، والخروج لملاقاة جماهير الكوكب بقمصانهم الملونة وهتافاتهم المتنوعة، لتعيش تجربة تجمع بشري فريد لا يتكرر إلا كل أربع سنوات.