“ربما المشكلة ليست في الطفل… بل في البيئة.”
المشهد الأول – إنجلترا 1970
إدموند سونوجا بارك طفل مشاغب متأخر دراسيا لا يمكنه تعلم أساسيات الكتابة حتى أن معلمته تطلب منه رسم الأشكال الهندسية كالمثلث والمربع بدلاً من كتابة الحروف. كثير الحركة، مشغول الذهن، أفكاره تسبق كلماته، ولا يستطيع الجلوس ساكنًا. لم يكن فرط الانتباه وتشتت الانتباه معروفًا وقتها وكان المصطلح المستخدم هو فرط الحركة. لم يكن هناك علاج معروف في إنجلترا، والموصى به هو العلاج السلوكي. وصل أدموند بصعوبة للمرحلة الثانوية واستطاع بفضل بعض الاستثناءات الالتحاق بالجامعة ليتفوق ويصبح أستاذًا جامعيًا في تخصص علم النفس، ليقضي 35 عامًا من البحث في اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)، ويتساءل: “ماذا لو كنا نفكر في كل هذا بشكل خاطئ؟”
المشهد الثاني – أمريكا 1930
تشارلز برادلي، طبيب أمريكي يذيع صيته بأن لديه دواء سحري لعلاج الاضطرابات السلوكية عند الأطفال. عمل الطبيب يشبه السحر، فالأطفال يتحسن سلوكهم في اليوم التالي لزيارته بشكل ملحوظ. يتحول الطفل المشاغب إلى طفل مطيع يسمع الكلام ويستطيع الاحتفاظ بهدوئه ويتوقف عن كثرة الحركة. الأمر ليس سرًا، يعلن الطبيب أنه أعطاهم جرعات صغيرة من الأمفيتامين تؤدي مباشرة إلى تحسن سلوكهم. وبهذا ظهر الريتالين، ثم أديرال كعلاج معتمد لتشتت الانتباه، وزاد الاعتماد عليهما وتضاعف التشخيص وتضاعف عدد الأطفال الذين يتناولون مشتقات الأمفيتامين.
المشهد الثالث – بداية التسعينات
الموضوع لم يكن مريحًا لكثير من العلماء المتخصصين. لم توجد ورقة بحثية واضحة تشرح كيف يحدث فرط الانتباه أو كيف تعالج مشتقات الأمفيتامين الاضطراب. في أوائل التسعينيات، أطلق مجموعة من العلماء دراسة سريرية تستمر لمدة 14 شهرًا، وشملت مئات الأطفال الذين تم تشخيصهم بـ ADHD.
تم تقسيم الأطفال إلى أربع مجموعات رئيسية:
- المجموعة الأولى تلقت جرعات يومية من الريتالين.
- المجموعة الثانية خضعت لبرامج علاج سلوكي مكثف.
- المجموعة الثالثة حصلت على دمج بين العلاج السلوكي والدواء.
- المجموعة الرابعة تُركت للعلاج “الطبيعي” الذي يقرره الأهل والأطباء.
انتهت الشهور الأربعة عشر، والنتائج كانت مذهلة لصالح الريتالين. أظهر الأطفال في المجموعة الأولى تحسنًا سريعًا وملحوظًا في سلوكياتهم. وانخفضت لديهم الأعراض مثل التشتت، وفرط النشاط، والاندفاع بدرجة أكبر من أي مجموعة أخرى.
المشهد الرابع – منتصف التسعينات
عاد العلماء للأطفال بعد ثلاث سنوات ليكتشفوا أن المجموعة الأولى لم تشهد أي تحسن دائم. تبين أن تأثير الدواء مؤقت، وبدأت الشكوك تدور حول الآثار الجانبية للريتالين. وفي مفاجأة غير متوقعة، ظهر فرق ملحوظ في النمو؛ الأطفال الذين تناولوا مشتقات الأمفيتامين كان لديهم انخفاض في الطول بمقدار بوصة كاملة.
المشهد الخامس – المختبرات العالمية، أوائل الألفينات
في الألفينات، تطور العلم في التحليل والتشخيص والقياس. قرر العلماء العودة إلى المربع الأول للبحث عن السبب الأصلي لفرط الانتباه. أُجريت عمليات مسح للجينات وتصوير دماغي وتحليل كهرباء الدماغ، ولم يظهر أي فرق واضح بين الأطفال المصابين بالاضطراب وغيرهم. ثم جاء مشروع ENIGMA، وهو أكبر قاعدة بيانات دماغية في العالم. وبعد تحليل آلاف الفحوصات، لم تظهر أي فروقات واضحة.
المشهد السادس – إنجلترا الآن
قال إدموند: “ما كنا نظنه يقينًا… كان سرابًا. لقد طاردنا ظلًا علميًا قادنا في الاتجاه الخاطئ.”
تحولت رحلة البحث عن “الخلل في الدماغ” إلى لحظة مواجهة… مواجهة مع فكرة أن المشكلة قد لا تكون في الخلايا أو الجينات، بل في الطريقة التي نفكر بها في الاختلافات البشرية.
“ربما المشكلة ليست في الطفل… بل في البيئة.”
هنا، تغيّرت نظرة إدموند بالكامل. لم يعد يرى ADHD كـ “خلل في الدماغ”، بل كـ عدم توافق بين الدماغ والبيئة.
قال: “الدواء قد يساعد، لكنه ليس النهاية. هو بداية فقط. يمنح الأسرة وقتًا للهدوء، لاستعادة الحوار، وللبحث عن حلول أعمق.”
وأشار إلى أن الهدف الحقيقي ليس “إزالة الاضطراب”، بل إضافة المهارات والمرونة التي تساعد الطفل على التعامل مع عالم لا يشبهه كثيرًا.
وبدلاً من أن نقول للطفل “لديك مشكلة”، ربما نقول له: “أنت تفكر بطريقة مختلفة… فلنبحث معًا عن بيئة تناسبك، وتُخرج أفضل ما فيك.”